ابراهيم بن عمر البقاعي

668

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

انقضت ذرية إبراهيم عليه السّلام ، ختم بابن أخيه الذي ضل قومه فهلكوا بغتة ، فبين قصتي هذين الآخرين طباق من جهة الهلاك والنجاة ، ووفاق من حيث إن كلّا منهما أرسل إلى غير قومه فقال : وَلُوطاً ثم وصفهم بما يعم من قبلهم فقال : وَكلًّا أي ممن ذكرنا فَضَّلْنا أي بما لنا من العظمة بتمام العلم وشمول القدرة عَلَى الْعالَمِينَ * فكل هؤلاء الأنبياء ممن هداه اللّه بهداه وجاهد في اللّه حق جهاده ، وبدأهم تعالى بإبراهيم عليه السّلام وختمهم بابن أخيه لوط عليه السّلام على هذه المناسبة الحسنة ؛ وقيل : إن اللّه تعالى أهلك قوم إبراهيم - نمرود وجنوده - بعد هجرته ، فإن صح ذلك تمت المناسبة في هلاك كل من قومه وقوم ابن أخيه لوط بعد خروج نبيهم عنهم ، فيكون بينهما وفاق كما كان بين قصته وقصة يونس عليه السّلام طباق . ومن لطائف ترتيبهم هكذا أيضا أن إسماعيل عليه السّلام يوازي نوحا عليه السّلام ، فإنه رابع في العدّ لهذا العقد إذا عددته من آخره ، كما أن نوحا عليه السّلام رابعه إذا عددته من أوله ، والمناسبة بينهما أن نوحا عليه السّلام نشر اللّه منه الآدميين حتى كان منهم إبراهيم عليه السّلام الذي جعله اللّه أبا للأنبياء والمرسلين ، وإسماعيل عليه السّلام نشر اللّه منه العرب الذين هم خلاصة الخلق حتى كان منهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الذي جعله اللّه خاتم الأنبياء والمرسلين ، فهذا كان بداية وهذا كان نهاية ، وأن المذكورين قبل ذرية إبراهيم عليه السّلام وبعدها - وهما نوح ولوط عليهما السّلام - أهلك اللّه قوم كل منهما عامة ، وغيب هؤلاء في جامد الأرض كما أغرق أولئك في مائع الماء ، وأشقى بكل منهما زوجته ، بيانا لأن الرسل كما يكونون لناس رحمة يكونون على قوم نقمة ، وأنه لا نجاة بهم ولا انتفاع إلا بحسن الاتباع ، وأن ابن عمران اشترك مع إبراهيم عليهم السّلام في أن كلّا من ملكي زمانهم أمر بقتل الغلمان خوفا ممن يغير دينه ويسلبه ملكه ، وكما أن اللّه تعالى أنجى إبراهيم عليه السّلام وابن أخيه لوطا عليه السّلام من ملك زمانهما المدعي للإلهية فكذلك أنجى موسى وأخاه هارون عليهما السّلام من ملك زمانهما المدعي للآلهة ، وأنجى ذرية إبراهيم بهما ، فإذا جعلت إبراهيم وابن أخيه لوطا - لكونه تابعا له - واحدا ، وموسى وأخاه هارون واحدا لمثل ذلك ، ونظمت أسماء جميع هذه الأنبياء في سلك النقي : لوط مع إبراهيم كموسى مع هارون ، وكان الأربعة واسطة عقدة ، فبين إبراهيم وموسى حينئذ سبعة كما أن بين هارون ولوط سبعة ، وإذا ضممت إليهم المقصود بالذات المخاطب بهذه الآيات المأمور بقوله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] كان منزله في السلك بين ابن عمه لوط وأبيه إبراهيم ، ويكون من بين يديه تسعة ، ومن خلفه تسعة ، فمن إبراهيم إلى موسى تسعة ، ومن لوط إلى هارون كذلك ، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم